all about things that surround me

“وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اَلّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَانًا وَ أَنَّهُم لَا يَسْتَكبِرُونْ”

المائـــدة 82

شاءَ اللهُ تَعَالى أنْ يختبرَنى و إِخْوتى بشئٍ من العُسرة ، فقدر لنا أن نرى والدَتَنَا الحبيبة تَرقُد بعيدةً عن وعيها فى غرفة العناية المركزة بين يدى رحمته الواسعة. و فى أوقات العُسرة و الشِدَّة تَظهر بوضوح السُلوكيات النَقية للبشر ، و تَتسامى نُفوسُ من أصابتهم الضائقة .. و يتبدى الرضا بقضاءِ الله.

تربيتُ و أخوتى فى بيت أبينا رحمه الله ، الكائن فى أحد أحياء القاهرة العريقة و الذى تربى فيه بدوره من قبلنا هو و أخوته ، حيث كان هذا البيت هو الأخير الذى إستقرَ فيه جَدِّى رحمةُ الله عليه قبل وفاته. هذا الحى كانَ مشهوراً بساكنيهِ مِن التُجار و الأجانب و ميسُورى الحال من الطبقة المتوسطة و لا تفصله حُدود عن الحى المتداخل معه و الذى كان يضم السرايات و القصور الى جانب مجموعة من الخدمات الراقية التى ضمها كلا منهما من المدارس و المستشفيات و المؤسسات التى كانت برُقيِها علامةً من علامات القرن الماضى و حتى الربع الأخير منه. و كما كان حال تداخُل الأبنية ، كان كذلك حال البشر دون فوارق فارقة أو نفوس متناحرة بينهم البعض.

عاش أبى و إخوته فى ظل هذه البَوْتقة الرائعة من الناس ذوى الأصول و الأعراق و الجنسيات المختلفة ، بل إن هذا الحى كان مشهوراً مِن بين ما إشتُهر به ؛ بساكنيه من أصحاب الديانات المختلفة .. مُسلمينَ كانوا أم مَسِيحيينَ أو يَهوداً ، و على إختلاف الطوائف لكل ديانة. و دائماً ما سمعنا حَكايا الجُدود و الآباء عن الخيرِ و المحبةِ اللذان كانا يضمان الجميع فى مُعَاملاتِهم العامة و علاقات الجِيرَة و حُسنِ الجِوار فى أفضل صُوَرِها ، و إِنعكاساً متناغماً عن أصالة الشعب المصرى و إستيعابه الكامل لنَفْسِهِ و لِلآخر ، و تعبيراً راقياً عن القيم الإسلامية الرفيعة التى قامت على تقبُل الآخر و تقبُل التنوع بين طيات المجتمع المختلفة.

و لقد شَهدتُ فى طفولتى الكثيرَ من شواهد هذا الزمن الجميل من مؤسسات ذاتَ طابعٍ مُمَيز و تأثيرٍ واضح فى دائرة مُجتمعِها من المدرسة الى المكتبة العامة و من المسجد الى الكنيسة و حتى ما تبقى من المعابد ، و عايشتُ نفس الروح المصرية النقية بين البشر و التى دائماً ما كانت متوائمة و متصالحة مع الذات. و فى خطٍ موازٍ قضيت وقتاً طويلاً من طفولتى مع جدتى رحمها الله فى الأسكندرية و فى بيئة متماثلة لم يختلف فيها الواقع عن القاهرة فى شئ ، الَّلهم فى إستبدالِ كُورنيش النيل بِكُورنيش البحر بكل ما يحمله من خُصوصيةٍ فاتنة.

فى هذهِ البيئة تربيتُ و تَكوَّن الوعىُ عِندى مُتقَبِلاً لذاتى و للآخرين ، دون أى تصنيفاتٍ تَضعُ الحُدودَ بين المصريينَ بعضُهم البعض. و لم أجدُ أى إختلافٍ بين مصادقة أقرانى المحيطين بى على إختلاف دياناتهم أو حتى أُصُولهم الغير مصرية. جميعُنا كنا مصريين و إن إختلفت الوان بشراتنا ، كُنَّا مِن خلفياتٍ مختلفة و ضمتنا ثقافةٌ واحدةٌ واعية ، إستمتعنا بلعبنا و جولاتنا و تعلمنا الكثير من بعضنا البعض. و لم نجد أى فرق بين أن نلعب الكرة صباحاً فى نادى الشُبان المسلمين ، ثم نلتقى مساءً على طاولة السنوكر فى نادى الشُبان المسيحيين. لم يتدخل أحدُنا فى مُعتقد الآخر و لم يُحاول أحدٌ منَّا فرض تأثير أو إتجاهٍ معين على الآخرين. بل بحثنا دائماً عما هو مشترك بيننا و عن ما يجمعنا و لم نفكر فى الفُرقة و التَفرُق و الرفض لكل ما هو مُختلف.

تداعت كل هذه الذكريات الجميلة بما تحمله دائماً من أحاسيس عالية الرُقى فى داخل نفسى التى لا زالت على عهدها بتلك الأيام و كل هؤلاء الآخرين الأحباء .. تداعت خلال المواقف التى قابلتها أثناءَ وُجودى بجانب أُمى التى كانت تَرقُد بلا حول ولا قوة فى إحدى تلك المستشفيات العريقة التاريخ فى نفس الحى الذى نشأتُ فيه. ذلك المستشفى الذى تُديره إحدى الجاليات التى تَعيشُ فى مصر منذ أجيالٍ بعيدة قد تمتد بعُمر التاريخ ، و التى يحتفظُ العديدُ من أبنائها بجنسيتهم الأم مع جنسيتهم المصرية ، و الذين أفخرُ بمصريتهم و جدعنتهم التى لا يمكن فصلها عن أى مصرى خالص. خلال تلك الأيام رأيتُ مصرَ التى ظننتُ أنها غابت عن أصالتها و تاهت بين ضبابٍ يحجبها ، فلا هىَّ موجودة و لا هىَّ واضحة للعيان. رأيتُ المصريين الذين أفتقدهم بسماحتهم و عَطائهم و قُلوبهم الصافية يشاركوننى الهم و الإهتمام ، و رأيت المصريين الذين تحمل عيونهم الريبة و الشك و عدم الثقة و الذين يُساهمون بدون وعى فى إشاعة الضباب حول مصرنا الجميلة. و لا أشُك فى التوجه الطيب لكلا الفريقين ، و لكن هُناك من يُساهم فى إهالة التراب عن المعدن النفيس لشعبنا الكريم ليظهر لمعانه و جوهره ، و هناك من يهيل التراب عليه دون وعى.

لا يمكننى أنْ أُميز بينَ الأطِباء و إهتمامهم و رعايتهم و صراحتهم معنا يوماً بيوم خلال تلك الأزمة ، كُلهم على قدرٍ واحد ، صفوت و نصير و مايكل و أحمد و مصطفى و ريمون ، و كذلك طاقم التمريض الذى لم أُميز الا فى آخرِ يومٍ لنا فى المستشفى أن منهنَّ منْ تضع غطاء رأس التمريض و منهنَّ من تضع طرحة حجابها على رأسها.

و لنْ أنسَى هذه السيدة الطيبة التى كانت ترقدُ فى السرير المجاور لوالدتى فى غرفة العناية المركزة ، الست “أم ناجى” المسيحية المصرية الأصيلة التى كانت دائمة السؤال عن أُمنا و تطمئننا بأن الله معنا جمبعا. و كان أبنائها يصلون من أجل أمى و يستأذنوننا ليكونوا قريبين منها للدعاء لها ، و بخاصة “ناجى” ذلك المصرى الأصيل بإبتسامته الهادئة و الكلام الصادق الذى يخرج من القلب الى القلب و هو يحاول أن يذكر الله و رحمتَهُ فى كل كلمة. إنه المعدن النفيس للمصرى الأصيل المحب لمصر و الذى تحبه مصر و تتمنى أن يكون فى مقدمة أبنائها فى هذه الأيام الفارقة التى يتشكل فيها كيان جديد لكل مصر.

على الجانب الآخر كانت هُناك صورةٌ أُخرى لمصريين آخرين ، كانت عيونهم يزدادً فيها الشك و الترقب لمجرد رؤية المصاحف و المسابح فى أيدينا برغم إبتساماتنا الودودة لهم ، و كانت هناك جارتنا الطيبة المحجبة و إبنتها المنتقبة و زيارتهما للإطمئنان على أمى و ما وجدناه من قدر الإنزعاج النفسى و اللفظى الذى خرج منهما عند إدراكهم لوجود سرير أمى بجانب آخرين ليسوا على دينها. و نسى هؤلاء و هؤلاء أن الجميع داخل غرفة الرعاية جميعا بين يدى رحمة الله التى لا تفرق بين البشر الا بالتقوى ، و أن من بين المرضى من لن يخرج على قدميه ثانية الى أهله ، و أن الدعاء للجميع هو صدقة.

أحمدُ الله أننى و “ناجى” داخل الدائرة الأصيلة لهذا الشعب ، الدائرةُ التى ترفض أن نكون شيئا غير المصريين الذين عاشوا الافا من السنين على هذه الأرض ، و أدعوا الله أن يبدد الضباب الذى يغمر نفوس الكثيرين من المصريين فى هذه الأيام ليتَبَدَّى من وراءهِ المعدن المصرى الأصيل. و أدعوا الله أن تتسع الدائرة و تكبر ، الى أن يعود المصريين لِأصالتهم و محبتهم و الى صحيح أديانهم الوسطية و لفظ الوافد المتزمت من الشرق قبل الغرب و الى أن يعود الوعى الذى تبارى الكثيرين ضدنا فى معارك لا و لم تنتهى للذهاب به بعيداً عن عقولنا. عندها لن يتملكنا كل هذا القلق و التوتر على مستقبل مصرنا الغالية ، و ستكون خطواتنا أكبر و أوسع نحو الإستقرار و لنْ يَسهُل أبداً على أعدائِنا أن يحققوا الإختراقات التى يحققونها الآن بيننا فى محاولاتٍ لا تتوقف لتفتيتِ هذا الشعب المصرى العريق و تحويله الى طوائف متنازعة ، لم تكن أبدا موجودة على مر تاريخهِ الذى بدأَ مع مهد الحياة.

و أخيراً أشكر صديقى المصرى الأصيل العزيز “توماس” على كلِ ما فَعَلهُ منذ اللحظة الأُولى الى اللحظةِ الأخيرة فى أزمة والدتى.

و عودٌ على بدء ، أسألكُم جميعاً الدعاء لوالدتى الحبيبة التى غابت عن دنيانا بإذنِ ربها تعالى ، و أن يكتب الله لها منزلاً فى جناتهِ و أن يُعلى مرتبتها بين الصديقين و الشهداء .. اللهم آمين.

طارق عابدين

About these ads

Comments on: "مِصْرُ التى فِى خَاطِرى" (4)

  1. اّمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين يا رب العالمين اللهم ارحمها هى وأمى وأبى وجميع الموتى أجمعين

  2. اللـهـم إحمها تحت الارض واسترها يوم العرض ولا تخزها يوم يبعثون “يوم لا ينفع مال ولا بنون إالا من أتي الله بقلب سليم”
    اللـهـم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها وثبت علي الصراط اقدامها واسكنها في اعلي الجنات بجوار حبيبك ومصطفاك (صلي الله عليه وسلم) .
    اللـهـم اّمنها من فزع يوم القيامة ومن هول يوم القيامة وأجعل نفسها أّمنة مطمئنة ولقنها حجتها .
    اللـهـم اجعلها في بطن القبر مطمئنه وعند قيام الاشهاد أمنه وبجود رضوانك واثقه وإلي أعلي درجاتك سابقه .
    اللـهـم اجعل عن يمينها نوراً حتي تبعثها اّمنًه مطمئنه في نور من نورك…………
    البقاء لله يا طارق وربنا يرحمها ويرحمنا جميعا ويحافظ علي بلدنا الحبيبه مصر وعلي اهلها الطيبين ان شاء الله

  3. Ahmed said:

    اللهم أغفر لها و أرحمها
    آمين

  4. prof.dr.tamim elnaggar said:

    كلام رائع لانه خارج من القلب
    اللهم ارحمها
    اللهم ادخلها الجنة
    اللهم تقبل دعاء ولدها الصالح ودعاءنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Tag Cloud

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: